ابن ميثم البحراني

271

شرح نهج البلاغة

طاعته فلو كان له فيه رخصة لم يجعلها إلَّا لهم ، وتقدير الاستثناء فيه لنقيض التالي : لكنّه لم يرخّص فيه لهم فينتج أنّه لم يرخّص فيه لأحد من عباده ، لكنّه حذف هنا استثناء النقيض واستثنى بعض لوازمه وهو تكريهه التكابر إليهم ، وذلك بوعيده للمستكبرين على الكبر . ثمّ برضى التواضع لهم ، وذلك بأمرهم فيه كما قال تعالى « واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ » ( 1 ) ونحوه . وقوله : فألصقوا . إلى قوله : مستضعفين . إشارة إلى امتثالهم لما أمرهم به من التواضع وموافقتهم له فيما رضيه لهم فإلصاق خدودهم بالأرض وتعفير وجوههم إشارة إلى معاملتهم له في عبادته مع أنفسهم وخفض أجنحتهم للمؤمنين ، وكونهم أقواما مستضعفين إشارة إلى امتثالهم ومعاملتهم له في خلقه ، ولفظ الأجنحة مستعار من الطائر ليد الإنسان وجانبه باعتبار ما هو محلّ البطش والنفرة . وخفض الجناح كناية عن لين الجانب . وقال ابن عبّاس في قوله تعالى « واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ » أي ارفق بهم ولا تغلظ عليهم قال : والعرب تقول لمن كان ساكنا وقورا : إنّه خافض الجناح . وقوله : قد اختبرهم . إلى قوله : بالمكاره . إشارة إلى أنّه أعدّهم بأنواع الشقاوة الدنيويّة من الجوع والمشاقّ والمخاوف والمكاره ، والتنفير بها عن الدنيا للإقبال عليه تعالى ومحبّة ما عنده من الثواب الجزيل وقد علمت معنى ابتلائه تعالى لعباده واختباره لهم غير مرّة . وقوله : فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد إلى قوله : الاقتدار [ الإقتار خ ] . أي لا تعتبروا رضاه تعالى عن عباده بإعطائه لهم المال والولد وسخطه عليهم بمنعه لهم ذلك . وكأنّه جواب اعتراض مقدّر كأنّ قائلا قال : فإذا كانوا هؤلاء خواصّه وأهل طاعته ورضاه فلم امتحنهم بالشدائد وابتلاهم بالمخاوف والمكاره ولم يعطهم الأموال والأولاد كما قال فرعون لموسى عليه السّلام : فلو لا القى عليه أساورة من ذهب ، وكما قالت كفّار قريش : أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنّة

--> ( 1 ) 16 - 88 .